محمد بن جرير الطبري

130

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من القول في ذلك : أنهما قراءتان معروفتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، وتأويل مفهوم ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . فقراءته إذا قرئ على وجه الفعل تأويله : فلا اقتحم العقبة ، لا فك رقبة ، ولا أطعم ، ثم كان من الذين آمنوا ، وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ على التعجب والتعظيم . وهذه القراءة أحسن مخرجا في العربية ، لأن الإطعام اسم ، وقوله : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فعل ، والعرب تؤثر رد الأسماء على الأسماء مثلها ، والأفعال على الأفعال ، ولو كان مجيء التنزيل ثم إن كان من الذين آمنوا ، كان أحسن ، وأشبه بالإطعام والفك من ثم كان ، ولذلك قلت : " فك رقبة أو أطعم " أوجه في العربية من الآخر ، وإن كان للآخر وجه معروف ، ووجهه أن تضمر أن ثم تلقي ، كما قال طرفة بن العبد : ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي بمعنى : ألا أيها ذا الزاجري أن أحضر الوغى . وفي قوله : " أن " أشهد الدلالة البينة على أنها معطوفة على أن أخرى مثلها ، قد تقدمت قبلها ، فذلك وجه جوازه . وإذا وجه الكلام إلى هذا الوجه كان قوله : فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ تفسيرا لقوله : وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ كأنه قيل : وما أدراك ما العقبة ؟ هي فك رقبة أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ كما قال جل ثناؤه : وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ثم قال : نارٌ حامِيَةٌ مفسرا لقوله : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ، ثم قال : وما أدراك ما الهاوية ؟ هي نارٌ حامِيَةٌ . وقوله : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يقول : أو أطعم في يوم ذي مجاعة ، والساغب : الجائع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس " أو أطعم في يوم ذي مسغبة " : يوم مجاعة . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثني خالد بن حيان الرقي أبو يزيد ، عن جعفر بن برقان ، عن عكرمة في قول الله : " أو أطعم في يوم ذي مسغبة " قال : ذي مجاعة . حدثني محمد بن عمر ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ قال : الجوع . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " أو أطعم في يوم ذي مسغبة " يقول : يوم يشتهى فيه الطعام . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عثمان الثقفي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ قال : مجاعة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عثمان بن المغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، مثله . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ قال : مجاعة . وقوله : يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ يقول : أو أطعم في يوم مجاعة صغيرا لا أب له من قرابته ، وهو اليتيم ذو المقربة ؛ وعني بذي المقربة : ذا القرابة ، كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ قال : ذا قرابة . وقوله : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ذا مَتْرَبَةٍ فقال بعضهم : عني بذلك : ذو اللصوق بالتراب . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، قال : أخبرني المغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ قال : الذي ليس له مأوى إلا التراب . حدثنا مطرف بن محمد الضني ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا شعبة ، عن المغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، مثله . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ،